لغة القالب

القائمة الرئيسية

تابعنا

حتى لا ينزعج المُحامي!

يوم الُمحامي عامر بالأعمال والمهام التي تتطلَّب تأديتها الدقة، والتركيز، والانتباه، والبديهة الحاضرة؛ فهو إما حاضر لجلسة، أو مُنهمك في دراسة قضية، أو مُستغرق في تدقيق عقد، أو بصدد صياغة صحيفة، أو لائحة، أو مذكرة، أو حضور تحقيق في النيابة، وقائمة الأعمال تطول ولا يمكن حصرها. لذا فهو يحرص دائماً على الابتعاد عن كُل ما يزعجه ويؤثر على صفاء ذهنه.

تطرَّقت في المقال الأسبق إلى المحاذير التي يجدُر بالمُحامي عدم الإتيان بها أمام القاضي، وعرَّجت في المقال السابق على مجموعة من الأساليب والتصرُّفات التي تُشعر العميل بعدم الارتياح في التعامل مع مُحاميه. وأختم هذه السلسلة ببعض أنماط العملاء الذين ينزعج المُحامي أثناء التعامل معهم... ومن أشهرهم:

1- العميل القصَّاص (الحكواتي)!
"وصلنا برشلونة، وبعدين أستأجرنا سيارة، وشدينا على دولة صغيرة بين فرنسا وإسبانيا اسمها إندورا، وكانت في رأس جبل، وأخذنا القطار من مدينة بربينون الكتلونية الفرنسية الحدودية مع اسبانيا واتجهنا لباريس........ الخ!"

تُعتبر المُحاماة من المهن التي يصعُب تحديد وقت مُعيَّن للعمل فيها، فترى المُحامي حتى لو انتهى دوامه في مكتبه إلا أن ذهنه مشغول في قضاياه. لذلك يُدرك المُحامي أن الإدارة الجيِّدة للوقت، ووضع جدول زمني للأعمال، لهما انعكاسهما على نجاحه في مسيرته.

يُعد إنصات المُحامي للعميل، وإعطائه الزمن الكافي لإبداء ما لديه، من الأمور التي تجب للعميل على مٌحاميه، كما أن الصبر وسعة الصدر من الأمور التي إذا لم تكن في المُحامي وهباً، عليه أن يسعى جاهداً لاكتسابها، ولكن للصبر حدود... يوجد نوع من العمُلاء يُسهب ويُطنب ويتوسَّع في ذكر وقائع لا علاقة لها بموضوعه، وكُلما سعى المُحامي لإرجاع العميل إلى صُلب موضوع قضيته، وتبيان أن الوقائع التي يذكرها لا جدوى من سوقها، رجع العميل قليلاً إلى جادة الموضوع ثم لا يلبث إلا أن يُشرِّق ويُغرِّب مُستدعياً لتفاصيل غير منتجة في دعواه، فتراه إذا أراد أن يرفع قضية تعويض عن فسخ عقد عمل لسبب غير مشروع، بدأ سرديته بالخوض في معاناته أثناء الابتعاث، وتعرضه للعنصرية في بلد الدراسة، وأخذ في شرح الصعوبات التي واجهها أثناء تعلُّم اللغة، ثم عودته بعد إتمام الدراسة ورحلته في البحث عن العمل، وصولاً إلى التعاقد مع الشركة التي سيُقيم الدعوى عليها........ الخ !

ينزعج المُحامي من هذا النوع من العملاء ويجد -ابتداءً- صعوبة في الحديث معهم. الأمر الذي يُلجئه إلى تولي دفة إدارة الحوار وتوجيه أسئلة مُباشرة للعميل ووضع خيارات مُحددة للأجوبة وذلك حفظاً لوقت المُحامي، ولمساعدة العميل على عدم التشتت.

2- العميل الُمتذاكي
"سكرتير المُحامي: مبلغ الاستشارة لدينا ..... ريال
العميل: ما جيت أستشير أنا جاي أوكلكم وموضوعي بملايين!"

المتذاكون أنواع، وأصناف، ودرجات، فمنهم الهواة ومنهم المحترفون، وتظل الفئة الأبرز بين هؤلاء هم الجوَّالين على المُحامين بغرض أخذ استشارات مجانية حتى تجتمع لديهم حصيلة تُمكنهم من تولي قضاياهم بأنفسهم.

إن طبيعة عمل المُحامي القائمة على التدقيق، والفحص، والتأصيل، والاستنباط، والتحليل، والتكييف لها انعكاسها على شخصيته وتعاملاته، لذلك فهو ينزعج من العميل الذي يُحاول الاستهانة بذكائه. وغالباً ما يعتذر المُحامي بلطف عن تولَّي أيّ عمل لهذه الفئة من العملاء لأنه يرى فيهم عدم التقدير لأهمية دوره، واستباحة وقته.

3- العميل المُماكس:
"المحامي : أتعاب القضية ........ ريال
العميل: كثير ...المُحامي اللي قبلك قال ........ ريال ولا وافقت!"

مناقشة المُحامي في أتعابه من الأمور التي لا تروق للمُحامي، وقد تُفضي إلى لجوء المُحامي لإنهاء النقاش بهدوء مع العميل الذي يُمعن في مماكسته. لا توجد قاعدة عامة يمكن على غِرارها تحديد أتعاب المُحامي، كون العوامل التي تُقدَّر على أساسها الأتعاب متعددة ومنها: سُمعة المُحامي، وخبرته، وتمكنه في نوع مُعيَّن من القضايا. وليس هذا التفاوت مُبتدع من الأساتذة المُحامين. فلو ضربنا مثل بالأطباء لوجدنا أن قيمة الكشف لدى الطبيب العام تختلف عن الطبيب الأخصائي، وتختلف عن الاستشاري وقياساً على ذلك تتباين الأتعاب لدى المُحامين.

ينزعج المُحامي من التعامل معه بلغة السوق التي لو أراد التعامل بها لأتقنها ولكنه يترَّفع عنها، لأن مقام مهنته الرفيع لا يسمح بانتهاجها.

4- العميل السوداوي (المتشائم)
"المحامي: مبارك.. صدر الحكم لصالحنا.
العميل: الله يستر ما يُنقض الحكم من الاستئناف... أعرف واحد صدر له نفس حكمي ونقضوه الاستئناف وضاعفوا العقوبة عليه!"

العميل السوداوي من أكثر العملاء استنزافاً لطاقة المُحامي، لافتراضه أسوأ الاحتمالات في أفضل الظروف، فكلما أوقد المُحامي له شمعة أطفأها حٌباً في الظلام. لذلك تجد المُحامي سعيد بإنهاء قضية المتشائم أكثر من المتشائم نفسه، لأن التعامل مع المتشائمين مُنهك.

5- العميل الشكَّاك
"متأكد إن خصمي عنده معارف في هيئة الخُبراء، وبيكون التقرير لصالحه!"

شعار هذه الشريحة من العُملاء: لا يكُن ظنك إلا سيئاً ... إن سوء الظن من حُسن الفِطن

العميل الشكاك مُتبني لنظرية المؤامرة، فيرى أن الجميع متواطئون، ومتكتلون ضده فهو يشك في كُل ما حوله، فيُشكك في نزاهة القاضي، ومعاونيه، ووكيل النيابة، وأحياناً مُحاميه، حتى منصة ناجز لم تسلم من بعضهم.

في إحدى الجلسات الحضورية بالمحكمة كان مُحامي الخصم أحد الزملاء الذين تربطني بهم علاقة ود واحترام، فسلمنا على بعضنا، وأثناء تجاذبنا لأطراف الحديث نظرت إلى موكلي فوجدت في عينيه نظرة تحمل الريبة ،والحَنق، والاستغراب، وكان الانزعاج بادياً على صفحات وجهه. بعد انتهاء الجلسة استفسرت من العميل عن سبب الضيق الذي كان يكسو ملامحه، فكان السبب هو سلامي على مُحامي الخصم والحديث معه قبل الجلسة!

6- العميل المُدير ( الموجَّه)
"أشوف إنك تكتب والله يحفظكم أفضل من كتابة والله يحفظكم ويرعاكم!"

العميل المُدير له رأي، ووجهة نظر، وزاوية خاصة حيال جميع ما يُبديه المُحامي، ويأبى إلا أن تكون له بصمة كيفما اتفق، فتراه عند اطلاعه على لائحة الدعوى يقترح إضافة واقعة مُعينة - لا علاقة لها بموضوعه البتة- أو يطلب تضمين دفع أو عبارة غير منتجة في مذكرة جوابية، المُهم أنه لا يُسلِّم للمحامي بأي أمر إلا بعد أن يُعقِّب عليه.

ينزعج المُحامي من العميل المدير لأنه يُهدر وقته دون فائدة. ويُعد العلاج الناجع مع المدراء الذي يجعلهم يتراجعون عن طلباتهم عديمة الأثر هو تحميلهم لنتائج الاستجابة لطلباتهم من خلال مُحرَّر مكتوب يخلون فيه مسؤولية المُحامي عما سيترتب عن الاستجابة لهم، فبمجرَّد أن يُلوِّح المُحامي بإخلاء مسؤوليته، ويطلب منهم الشروع في إثبات ذلك، تراهم يعدِلون عن طلباتهم، و يسلِّمون للمُحامي متقهقرين إلى مكانهم الطبيعي.

7- العميل العَجِل
"بشِّر... قدمتوا الاستئناف! (صبيحة صدور الحكم الابتدائي)"

مدح رسول الله صلَّى الله عليه و آله وسلَّم الصحابي أشج عبد القيس رضي الله عنه بقوله ((إن فيك لخصلتَينِ يُحبُّهما اللهُ ورسولُه الحلمُ والأناةُ)). التأني وعدم العجلة من لوازم عمل المُحامي، وإن جميع ما يُقدِّمه المُحامي أمام القضاء من لوائح، أو مذكرات، أو اعتراضات تستلزم أن تكون كُل كلمة فيها لها مدلول وأثر، فلا بُد أن تكون صياغة المُحامي موافقة للشرع، ولا تُخالف صحيح القانون، وأن تكون خالية من الأخطاء اللغوية، والإملائية، والمطبعية . كما أن سلامة الاستدلال، وصحة البُنيان في كُل ما يُقدَّم للقضاء من الأمور التي تُساعد على الظفر بالحق، وهذا لا يكون إلا بأخذ الوقت الكافي للدراسة، والتأمل، والرجوع للمصادر الشرعية، والقانونية، والسوابق القضائية، والمراجعة، والتدقيق.

ينزعج المُحامي من العميل المُتعجِّل لأنه سيضطر إلى صرف جزء من وقته في إفهام العميل قبل كُل إجراء أهمية التريُّث، والرويّة وأن في العجلة الندامة. وغالباً ما تظهر علامات العجلة على هذا النوع من العملاء في اللقاء الأول مع المُحامي. لذلك على المُحامي قبل توقيع الاتفاق مع العَجِل أن يُعطيه توطئة عن طبيعة عمل المُحامي وأن يُبيِّن له أهمية التأني وأثره قبل الإقدام على أي إجراء.

8- العميل القَلِق:
"أستاذ أقدر أكلمك! ( الساعة 03:00 صباحاً)"
إن التركيز، واستجماع الحواس لدى المُحامي خصوصاً قبل الجلسات من الأمور المُهمة التي لها دور في جودة، وفعالية أداء المُحامي.

العميل القَلِق له علامات منها؛ تكرار الأسئلة ذاتها على المُحامي بصيغ مختلفة، والاتصال على المُحامي قبل يوم انعقاد الجلسة، والتأكد في صبيحة يوم الجلسة من أن المحامي استيقظ مُبكراً، وبعث رسائل نصيِّة أو عبر تطبيق "الواتس أب "قبل وأثناء الجلسة بعبارات مثل" مين حضر في الجلسة- بشِّر – كيف الأمور"

ينزعج المُحامي من هذا النوع من العملاء، ولكنه يحاول طمأنتهم واستيعاب قلقهم، والتهدئة من روعهم وإفهامهم بأن هذا القلق لا يعود على القضية بالنفع، ويحاول المُحامي إيصال فكرة التمتع بالرحلة، وترك القيادة للمُحامي حتى يصل الجميع بسلام.

9- عميل المناسبات
"ما شاء الله انت محامي.. أعطيني رقم تلفونك!"

هذا النوع من العملاء لا يفوِّت فرصة تجمعه بمحامي إلا وينهمر بوابل من الأسئلة والاستشارات القانونية، وتنشط هذه الفئة من العملاء في المناسبات سواء أكانت سعيدة أو حزينة، فبمجرد معرفة عميل المناسبات أن الشخص الذي يجلس أمامه أو بجانبه مُحامي تراه يهرع لطلب رقم هاتفه، ثم يبدأ في الاستشارة، فإذا وجد لطف ولين جانب من المُحامي ارتفع سقف طموحاته، فيطلب من المُحامي الاطلاع على هاتفه الجوال وذلك لإرساله صك حكم ابتدائي، ورغبته في معرفة جدوى تقديم استئناف على الحكم من عدمها.، وتتوالى الأسئلة .....وأذكر أني خرجت من أحد المناسبات فِراراً من أحدهم، وصدق الشاعر عندما قال:

إذا حلَّ الثقيل بأرض قومٍ... فليس لأهلها إلا الرحيلُ

وبعد ذكر الأنماط التي ينزعج المُحامي أثناء التعامل معها، أجد نفسي مضطراً لتوجيه الإشادة والثناء إلى العميل المثالي؛ ذاك العميل الهادئ، المتزن، الواضح، الشفَّاف مع مُحاميه، صاحب الأدب الجم، والقول الحسن، الذي يُقدِّر جُهد محاميه، ويحترم وقته، ويثق فيه، ولا يتعبه في استيفاء أتعابه. أحيي العميل المثالي الذكي الذي يعرف كيف يكسب مُحاميه، ويحصل على أفضل ما لديه.

بقلم المحامي مؤيد بن محمد السنوسي

مواضيع مقترحة

0التعليقات