لغة القالب

القائمة الرئيسية

تابعنا

حتى لا ينزعج القاضي!

إن ما يصدر من المُحامي أمام المحكمة من قول أو فعل أو لغة جسد تتم ملاحظته من القاضي بعين فاحصة، لذلك يجدر بالمُحامي أن يمارس دوره في الدفاع عن موكله بكل حرص وعناية مستحضراً عِظَم الأمانة المُلقاة على عاتقه، وأن يبتعد ويربأ بنفسه عن كل ما من شأنه أن يُسيء إلى المحكمة، أو يقلل من قدر خصمه، أو يحول دون عرضه لقضيته أمام حاكمها بالشكل الذي يضمن له الحق.


يُفكِّر المُحامي ملياً قبل الجلسة القضائية في الأسلوب الأمثل لجذب انتباه القاضي نحو ما سيُبديه أمام المحكمة، ويسعى جاهداً أثناء الجلسة إلى توجيه نظر وعناية القاضي إلى النقاط المهمة في مرافعته وتسليط الضوء عليها. وحتى يصل المُحامي إلى بغيته المنشودة، ويتمكَّن من إبداء ما لديه يلزمه الحرص على عدم إثارة حفيظة القاضي وانزعاجه، وأن ينأى بنفسه عن بعض المحاذير ومنها:

1- "كما تعلمنا منكم يا صاحب الفضيلة في هذا المحراب المقدَّس، وكما لا يخفى على كريم علم فضيلتكم أن الأحكام تبنى على الجزم واليقين لا تُبنى على الظن والتخمين"
ينزعج القاضي من استيراد عبارات قد تكون مقبولة في بعض الدول ولكنها ليست مطروقة لدينا، كما ينزعج من التملُّق المبتذل لأنه يُظهر الُمحامي وكأنه يتسول الحكم لصالحه.

2- "أطلب مُهلة للرجوع لموكلي"
ينزعج القاضي من طلب المُهلة من غير موجب لها، لا سيما إذا كان الاستمهال يتعلق بالإجابة على سؤال القاضي عن أمور أساسية في الدعوى؛ كسؤال القاضي في القضايا العمالية عن منشأ العلاقة التعاقدية، أو عن تاريخ إرسال الإخطار بعدم الرغبة في تجديد عقد العمل، أو عن تفصيل المبلغ الإجمالي المُطالب به في الدعوى. لأن عدم الإجابة على هذه الأسئلة ينبئ القاضي بأن المُحامي غير مُلم بركائز دعواه فضلاً عن تفاصيلها. كما يكون انزعاج القاضي مضاعفاً إذا أجاب المحامي إلى طلبه في الأجل لإحضار الجواب وعجز المُحامي عن تقديم جوابه في الجلسة المؤجلة.
ويُضاف إلى سلبيات الاستمهال دون مٌبرر إطالة أمد التقاضي، وهدر وقت القاضي، وتشكيل صورة غير جيدة عن المٌحامي.

3- "أعد يا شيخ"
ينزعج القاضي من مخاطبته بأسلوب فظ أو غير لائق. لا غرو وأن المحامين هم فرسان الكلمة وهم خير من يحسنون الطلب، فالمحامي أثناء مرافعته يطلب من الدائرة القضائية ويلتمس، ولا يأمر القاضي أو خصمه بأي صيغة كانت؛ فعبارة مثل " أعد يا شيخ" هي أمر مُجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، وليس للمُحامي في مجلس القضاء أن يُصدر الأوامر. وعوضاً عن ذلك بإمكانه في حال عدم فهم أو سماع ما يقوله القاضي أن يطلب من القاضي الإعادة بعبارة مثل" استسمح فضيلتكم بالإعادة".

4- "غير صحيح..... كلامه غير صحيح"
ينزعج القاضي من مقاطعة الخصم وعدم تمكينه من إتمام عباراته، وقد يلجأ القاضي إلى إسكات الطرف الذي يُقاطع وأحياناً قد يصل الأمر إلى توبيخه وتقريعه. وإذا كانت مقاطعة الخصم تُزعج القاضي فمقاطعة القاضي أدهى وأَمر.

5- "كذاب يا شيخ"
قد يتغاضى القاضي عن بعض العبارات التي تصدر من المتقاضين ممن هم ليسوا بمحامين، ولكن التجريح الشخصي والهجوم اللفظي من المُحامي على خصمه يقلل من مهنيته واحترافه ويُزعج القاضي لأنه قد يؤدي إلى هجوم مضاد من الخصم، ويشحن أجواء الجلسة ويوترها، وقد يؤدي إلى انفعال القاضي وإغضابه وزجر المتقاضين لضبط إيقاع الجلسة. فعلى المُحامي أن يوصل فكرته بموضوعية؛ فبدلاً من أن ينعت خصمه بالكذب بإمكانه أن يصف ما ذكره خصمه بأنه غير صحيح جملة وتفصيلاً وبذلك تكون فكرته وصلت للقاضي بشكل متزن ومقبول.

6- "ما ذكره المُدعى عليه لا يقوم على ساقين، ولا يعدو إلا أن يكون كلاماً مرسلاً طويل الذيل قليل النيل، لا يثبت به حق ولا يستند على دليل، فهو يسعى لحجب الحقيقة كمن يسعى لحجب أشعة الشمس بغربال"
ينزعج القاضي من تكرار الأفكار بعبارات مختلفة دون أي إضافة أو أثر، كما ينزعج القاضي من الإكثار من الُمحسنات البديعية والإفراط في استخدام اللغة الأدبية سواء في المرافعات الشفهية أو الكتابية، لأن القاضي بصدد تشكيل قناعة تعززها الحجة ويدعمها الدليل، إذ إن الجلسات القضائية لم تكن يوما ميداناً للمساجلات الأدبية.

7- "نصَّت الفقرة الأولى من المادة الخامسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الصادر بموجب المرسوم الملكي ذا الرقم م/17 المؤرَّخ في 08-03-1428هـــــــ على أنه: يُعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن..........."
ينزعج القاضي من ذكر تفاصيل خاصة بالنظام، كما ينزعج من ذكر نصوص المواد كاملة، لأن القاضي يحكم بموجب هذه المواد فهو يحفظها عن ظهر قلب، فلا داعي لكتابة نصوص المواد كاملة، ويكتفى بالإشارة إلى رقم الفقرة والمادة، ولا مانع من تضمين موضع الشاهد منها.

8- "هل يُعقل يا شيخ أن يطلب موكلي فسخ العقد مع المدعى عليه بالرغم من وفاء الأخير بالتزاماته التعاقدية؟! هل يُعقل؟؟......"
ينزعج القاضي من توجيه الأسئلة له من الخصوم، لأن القاضي هو من يوجِّه الأسئلة لطرفي الدعوى، وليس المُحامي في موقع يسمح له بتوجيه الأسئلة والاستفهامات الإنكارية للقاضي. ولكن قد يطرح المُحامي تساؤلاً ويُجيب عليه بغرض التأسيس لدفع أو ادعاء مُعين ثم يمضي في مرافعته. أما إذا توقَّف لاستماع الجواب من القاضي على سؤاله فعليه أن يتحمل تبعات ترقبه الجواب.

9- "كلمناه ... كلمناه أكثر من مرَّة .. واتواصل معه أكثر من وسيط لكن دون جدوى"
ينزعج القاضي من الصوت المرتفع الذي في حقيقة الأمر لا موجب له أثناء المرافعة، علاوة على أنه يُعطي انطباعاً بانعدام الحجة أو ضعفها.

10- "متى تم تسليمك الشيك؟"
ينزعج القاضي من توجيه سؤال للخصم أو للشاهد دون الحصول على الإذن بذلك، لذلك فأي سؤال للخصم أو استجواب للشاهد يكون من خلال القاضي لأنه هو من يُدير الجلسة.

11- "بين موكلي والمدعي علاقة جيدة وسافروا أكثر من مرة مع بعض"
ينزعج القاضي إذا تضمَّن الجواب وقائع لا علاقة لها بالدعوى أو غير مُنتجة فيها، أو كان الجواب غير ملاق لسؤاله أو لادعاء الخصم، لأن الجواب غير المُلاقي يُشعر بالتملُّص من الإجابة أو بالرغبة في تشتيت القاضي، وهذا ما لا يتقبله القاضي خصوصاً إذا كان المُجيب مُحامياً.

12- "إن شاء الله إنه يتذكر هذه المرة "
ينزعج القاضي من تهكم أحد الخصوم بالآخر أثناء الجلسة، لأن في التهكم تقليل من الاحترام الواجب أمام المحكمة واستخفاف بالقاضي.

13- "أليس هو الذي بدأ بسبك في مكتب المُدير"
ينزعج القاضي من الأسئلة الايحائية وهي التي تتضمن توجيه أو إيحاء للإجابة المُراد الحصول عليها.

وفي الختام ...سدَّد الله الأساتذة المُحامين السائرين في ركب الحق الناشدين للعدالة، وحفظ الله أصحاب الفضيلة القضاة وأدامهم حُماة للعدل والإنصاف.

بقلم المحامي مؤيد بن محمد السنوسي

مواضيع مقترحة

1التعليقات